سجلت هذه الملاحظات للتفاعل مع مساهمة خالد المهدي التي يطرحها لاغناء النقاش و النقد و التقويم في طبعة ثانية بتاريخ 07/04/2009 بعد ان طرحها المرة الاولى بتاريخ 04/08/2005 . هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، لانها تعبر عن بعض اراء و مواقف الماويين المغاربة ، ومن خلال هذه الملاحظات اود ان اسجل وجهة نظري بخصوص تصورهم .
طيلة المقال يوحي خالد المهدي بانه ضد التحريفيين و ضد المتمركسين …الخ ، ضد الذين لم يقرؤوا حتى عشر الكتب الماركسية و لم يفهموا الفتات الذي قرؤوه. كما انه اعلن انه يعتمد المنهج الجدلي في التحليل ، الا انه من خلال اول امتحان استنتج ان هذا يبقى مجرد ادعاء .
لقد اتحفنا خالد المهدي بكثير من النصوص المنتقاة من كتب ماركس ، انجلز، لينين ، ستالين ، ماو للظهور بمظهر الباحث الذي يقرا الماركسية من مراجعها الاصلية ؛ و حتى يدافع عن الفكرة التي اجهد نفسه في البرهنة عليها و هي ان الماوية ليست الا تطويرا يناسب العصر للماركسية اللينينية . الا ان تعامله مع هذه النصوص كان فيه كثير من التعسف ، و كمثال على ذلك:
- انجلز:" ليست المبادئ هي نقطة انطلاق الاستقصاء بل هي نتيجته الختامية ، و هي لا تنطبق على الطبيعة و التاريخ الانساني ، بل تستخلص منهما ، و ليست الطبيعة و عالم الانسانية هما اللذان يتطابقان مع هذه المبادئ بل ان المبادئ لا تكون صالحة الا بقدر ما تتطابق مع الطبيعة و التاريخ…". و يضيف المهدي كلامه " و هذا التحديد النظري اذا ما تمت ترجمته سياسيا فيمكننا ان نقول ان المهام السياسية لا تكون صالحة الا بقدر ما تتطابق مع الواقع الموضوعي و تناقضاته…" .
قراء اللغة العربية يفهمون معنى "المبادئ" التي يقابلها بالفرنسية " principes " و يختلف عن معنى "القوانين" "lois " التي ظل يستعملها انجلز في ابحاثه لتحليل الطبيعة و التاريخ. و لان المهدي اجتهد و غير هذه المرة "المبادئ" ب"المهام السياسية" ، فقد وصل الى نتيجة كارثية ينقلب فيها بشكل كامل على المنهج الجدلي الذي تبناه في البداية .
ان الوجود المادي للانسان يحدد الفكر، و وعي الانسان هو انعكاس جدلي وليس ميكانيكي للواقع الموضوعي. و هذا الاخير يتطور باستمرار بغض النظر عن وعي الانسان و ارادته. و اذا كانت الطبيعة بفعل قوانينها الداخلية ، تتطور بتدخل عدة عوامل منها تدخل الانسان و التي بتفاعلها تعطي قوانين عامة لهده الحركة ، فان تاريخ المجتمع يبرهن على ان تطوره يخضع ايضا لقوانين داخلية عامة لا يستطيع الانسان غير اكتشافها .
هذه القوانين العامة التي تتحكم في تطور المجتمع الانساني ، تحتل فيها ارادة الانسان الدور الاساسي ، لكن ليس ارادة فرد واحد ، بل ارادات واهداف مختلفة و متعارضة . وفيما سبق اشرت الى ان الوجود يحدد الفكر، و هنا يجب التدقيق ، فالوجود المادي للانسان في المجتمع يتحدد انطلاقا من علاقته بوسائل الانتاج . ومن هنا تنشا الافكار و الارادات المتعارضة كانعكاس لهذا الواقع بين مالك وسائل الانتاج و المستغل (بكسر الغين) و بين من لا يملك و المستغل (بفتح الغين) بشكل عام . و لهذا اكد الماركسيون في ابحاثهم ان محرك التاريخ هو الصراع الطبقي .
لنعد الان الى صاحبنا الذي خبر جيدا قوانين الجدل و اتانا بمقولة "…المهام السياسية لا تكون صالحة الا بقدر ما تتطابق مع الواقع الموضوعي و تناقضاته…" . اذا كان يقصد بالمهام السياسية الصالحة ، اي التي يمكن ان يدافع عنها و يسعى الى تحقيقها الحزب الثوري ، فهي مهام لا تتطابق مع الواقع الموضوعي ككل و تناقضاته ككل ؛ فهي مهام تعبر عن مصلحة احد طرفي التناقض في هذا الواقع الموضوعي ضد الطرف الاخر. كما انها لا تتطابق مع الواقع الموضوعي و تناقضاته ، لانه حينما نتحدث عن هذا الاخير فاننا نقصد واقعا موجودا ، اما حين نتحدث عن مهام سياسية فاننا نتحدث عن اهداف اي عن مستقبل و بالتالي عن واقع غير موجود نسعى لتحقيقه . و حسب فهم صاحبنا فانه للتحقق من صلاحية مهامنا السياسية الان ، يجب ان ننتظر فترة من الزمن و التحقق هل مهامنا تطابقت مع الواقع ام لا ؟ و دائما حسب هذا الفهم الذي يبتعد كثيرا عن المادية الجدلية ، فانه يجب ان نطرح السؤال عن صلاحية المبادئ و المهام السياسية التي صاغها لينين مثلا في روسيا و ماو ايضا في الصين عن المرحلة السابقة لانها لم تتطابق مع الواقع الموضوعي ؟ فلما ناخذ صورة لشخص مثلا ، و نقول انها تتطابق مع اوصافه يعني ما يمكن ان نراه كاوصاف لهذا الشخص بالعين المجردة فالصورة تعكسه . و يجب ان نطرح السؤال عن صلاحية المهام السياسية للامبريالية التي تطابقت في احيان عدة مع الواقع ؟
- المثال الثاني هو هذا المقتطف الذي اختلط فيه كلام انجلز بكلام المهدي "…و اكتشاف هذه القوانين التاريخية (اي غير ازلية) و دراستها هي التي يمكن ان توفر للانسان امكانية توجيهها لما فيه مصلحته . لان الانسان لا يستطيع تغيير تلك القوانين ، بل ان مسعاه الواعي يكمن في تغيير الشروط التي تفرز هذه القوانين و تسمح بظهورهذا القانون او ذاك و بتغييره للشروط التي تجعل من تلك القوانين قوانين فاعلة لا يغيرها و لكن يفرز شروطا تجعلها خامدة لبروز قوانين اخرى . فبالمرور عبر هذه الضرورة يستطيع الانسان ان ينتقل الى الحرية اي ان يصبح سيد نفسه و سيد تاريخه ، اي ان يصنع بوعي منه (27)" . الإحالة (27) هنا هي الى كتاب انجلز" ضد دوهرينغ "، دون أن يحدد أين يبتدئ كلام انجلز و اين ينتهي.
ان انجلز الذي يعتبر من الرواد الذين كتبوا في موضوع الجدل ، يتم الافتراء عليه باسم هذا الجدل . نعم كما جاء في المقال " … كل قانون له خاصياته و شروطه التي يفعل فيها " ، لكنه اختزال لحركة الواقع المادي في وعي الانسان . كأن نقول في الفيزياء ان اضافة كمية من الجسم "A" الى كمية من الجسم"B" تعطينا جسم اخر "X" . لهذا و دون اعادة ما ذكرت حول المثال الاول ، فالانسان حين يكتشف القوانين و يقوم بدراستها ليس من اجل توجيهها كما ذكر المهدي . بل يسعى الى التاثير في الواقع وفق القوانين التي تتحكم فيه . هذا مع العلم ان الانسان و تدخله يخضع ايضا لقوانين عامة في هذا الواقع و ليس منفصلا عنه . المتغير هو الواقع المادي ، اما القوانين فهي دائما كما هي لانها دائما مشروطة بوجود محدد . للتبسيط حين نقول كمية A و كمية B فهذه هي شروط القانون و لا نتحدث عنه بغيرها ، و التحول الى جسم X هو القانون ، و الحديث عن افراز شروط تجعله خامدا ، هو خلط للمفاهيم التي اجهد انجلز في نفس المرجع (اي " ضد دوهرينغ ") في توضيحها . فان نقول عن هذا القانون خامدا يعني اضيفت الى بعضهما الكميتين من A وB لم نحصل على الجسم X و هذا غير ممكن الا اذا اضيفت كمية من جسم اخر اختزالا نسميها C .
و هنا سنتكلم ليس عن قانون جامد و لكن عن قانون اخر شروطه هي اضافة كمية A وBوC الى بعضها.
ساكتفي بهذين المثالين فقط لابراز التخبط الذي تخلل مقال المهدي من بدايته حتى نهايته فهو لم يكن منسجما بالمطلق ، اضافة الى انه اغمض العين عن الاسئلة و الانتقادات التي توجه الى الماويين من طرف الماركسيين اللينينيين على المستوى العالمي .
بحيث نجده يطرح السؤال " يمكن طبعا لكل مطلع و لو من بعيد عن واقع الحملم (اي الحركة الماركسية اللينينية المغربية) ان يدرك لماذا كل هذا الذعر من استحضار واقع الحركة الشيوعية العالمية ؟ انه الخوف من النزيف ، من التشتث، و الانقسامات في صفوف المناضلين الماركسيين المغاربة… انه خوف رجعي، خوف يعيق تطور الحركة الشيوعية و يعيق تطور الثورة ".
هكذا يختزل المهدي كل الانتقاذات في الذعر و الخوف الرجعي الذي تكلم عنه ، و يقابله بالشجاعة في استحضار واقع الحركة الشيوعية العالمية ، او للتدقيق الانفتاح على الحركة الماوية العالمية و تبنيها في المغرب . ان الماركسيين اللينينيين لا يتماشون مع طرح المهدي ليس تشبثا ب"خصوصية معينة او بيئة" و انما لان الماوية تتعارض في كثير من النقط الجوهرية مع المنهج العلمي الذي يعتمدونه ساذكر البعض منها في هذا المقال. و هم قبل كل شيء مناضلون امميون ، و هنا ساطرح السؤال هل اذا استحضر الماركسيون اللينينيون واقع الحركة الشيوعية العالمية و وجدوا الموضة السائدة هي الماوية عليهم تبنيها كي لا يكونوا رجعيين !?و كي لا يعيقوا تطور الثورة!? هكذا هي المبادئ و المهام السياسية التي تتطابق مع الواقع!؟
سطحية التحليل الذي دافع به المهدي عن الماوية تظهر من خلال فقرة اخرى ليست الأخيرة: " اولا و قبل كل شيء يجب التاكيد على ان النظرية الماركسية نظرية كونية هذا اذا تجاوزنا طبعا المفهوم الصبياني الضيق الذي يعطيه البعض للماركسية بوصفها ما قاله روادها من البيان الى المجلد45 للينين " .
من قرأ و فهم ما كتب رواد الماركسية من البيان الشيوعي الى المجلد 46 للينين، لابد سيقف على حقيقة ان ما قام به هؤلاء هو اكتشاف القوانين التي تحكم الواقع المادي و تطوره و دراستها . كما انهم قاموا بتعرية النظريات الاخرى التي تشوش على وعي الطبقة العاملة كالمثالية والمادية الميكانيكية و غيرهما، و ميزتهم انهم كانوا يوضحون للمستغلين (بفتح الغين) و المضطهدين طريق الخلاص و ان
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ